«من يعيش وسط جبال خيرة كهذه تحيط به من كل جانب ويعتمد عليها كمصدر لرزقه لا بد أن يعرفها ويحبها ويؤمن إيمانا قاطعا بخيراتها المتعددة»، هذا الكلام يردده أهل منطقة رادهاوس بيرق النمساوية الجبلية وهم في ذلك لا يكذبون فقد عاش أجدادهم منذ القرن السادس عشر على خيرات مناجمها للذهب والفضة التي كانوا يستخرجون منها ما يزيد على 2,800 كيلوغرام من الفضة و800 كيلوغرام من الذهب سنويا وعندما نضبت تلك الثروة اعتمد السكان على مناجم الملح وعندما قلت أهمية الملح ولم يعد استخراجه مربحا لم يغلقوا تلك المناجم بل ظلت وما تزال مزارات سياحية تجني الكثير كمناطق ترفيه تتنافس في جذب السياحة للاستمتاع بمتاحفها وما تقدمه من برامج مختلفة بما في ذلك على سبيل المثال وليس الحصر إمكانية استقبال العام الجديد بالانزلاق هبوطا عبر أطول مسار شقه عمال مناجم وسط الجبال لإنزال الملح أرضا هذا بالطبع بالإضافة لما توفره الثلوج من فرص الاستثمار وتجارة لا تبور في مجال الرياضات الشتوية وما توفره من جمال طبيعي وفرص للاستمتاع صيفا.
واليوم يتم استثمار تلك الجبال في أنواع جديدة من السياحة مما يتناغم تماما والاستراتيجية النمساوية السياحية الداعية للتوسع فيما أصبح يعرف بـ«السياحة الطبية» حيث يسافر المرضى بهدف العلاج والاستجمام في منتجعات صحية تعتمد في أغلبها على عناصر طبيعية مثل الينابيع وحمامات مياه معدنية وكبريتية والخضوع لجلسات تدليك بواسطة الرمال والطين والتعرض للشمس مع اهتمام بالغ أن يتوفر العلاج للمرضى في أجواء أبعد ما تكون عن المشافي التقليدية.
من جانبها قفزت منطقة غازشتاين قفزة أوسع في هذا المجال مستقبلة سياحها داخل كهوف تم اكتشافها وسط سلسلة جبال رادهاوس بيرق فتمت تهيئتها وإعدادها للاستفادة مما ينبعث فيها من غاز الرادون ومن درجات حرارة مرتفعة تتراوح ما بين 38 وقد تصل إلى 41 درجة مئوية بجانب ما يسودها من رطوبة عالية مما يوفر إمكانات علاجات طبيعية بديلة لآلام المفاصل والتهابات الشعب الهوائية وبعض الأمراض الجلدية.
من يتثنى له التجوال وسط تلك الكهوف لن يعتقد مطلقا أن هذه الوفود السياحية التي تتبختر بلباس البحر، جاءت أساسا للعلاج داخل كهوف في جوف الجبال. وتم تجهيز الكهوف، لمزيد من الإغراءات، بكل أنواع الرفاهية من حمامات سباحة ومطاعم بل وحتى صالة ديسكو مستفيدين فائدة تامة من ديمغرافية المنطقة الجبلية واختلاف تضاريسها عن أي مركز صحي تجده في أي منتجع سياحي أو فندق عالمي.
وتقوم الفكرة أساسا على توفير علاج بديل للمرضى بواسطة جرعات صغيرة ومدروسة من غاز الرادون المنبعث من تلك الكهوف، وهو غاز خام عديم اللون غير قابل للاشتعال ثبتت فعاليته، كما أثبتت دراسات طبية تشرف عليها جامعة انسبروك، في تخفيف تلك النوعيات من الآلام كما يدخل غاز الرادون عالميا وبحذر بالغ في علاجات الأمراض السرطانية.
الأوراق الدعائية والتقارير المعتمدة قانونيا وتتجدد باستمرار تؤكد أن 75 ألف سائح من دول مختلفة زاروا هذه الكهوف، حتى حينه، وجربوا ما توفره من علاجات.
تلك الأوراق والتقارير لا تغفل أن السياحة الطبية بهذه الكهوف وغيرها من منتجعات طبيعية قد تطول أحيانا في حال احتاج المريض لأكثر من جلسة علاجية حتى يشعر بالتحسن وهنا يظهر اختلاف زمني عميق بين السياحة العلاجية وغيرها من أنواع السياحة الثقافية المبنية على حضور فيلم أو مسرحية وتلك الترفيهية المبنية على جولات سريعة يقوم بها السائح في قصر أو متحف.
ذات الأوراق والتقارير لا تغفل كذلك الإشارة إلى أن جميع أنواع السياحة تتوفر بالنمسا سواء سياحة طبية أو سياحة مؤتمرات حيث تتنافس المدن النمساوية في استضافة المؤتمرات العالمية بمختلف أشكالها كما تستقبل السياحة الرياضية وبالطبع تلك السياحة التقليدية المستندة على مقومات طبيعية تتمثل في جمال طبيعي خلاب يتغير ويثرى بتغير المواسم واختلاف التضاريس من جبال وسهول ووديان وبحيرات بالإضافة لظاهرة نجاح النمساويين في الترويج لتاريخهم العريق كإمبراطورية سابقة عاشت كل الزخم والنعيم والرفاء والثراء مما انعكس في أنواع الفنون الراقية مثل الأوبرا والباليه والرسم وحتى الأدب والشعر لمن يقرأ الألمانية لغة البلاد.
الشاهد أن النمسا اليوم وإن تخلت عن سياسة الإمبراطورية كنمط للحكم مفضلة سياسة تقوم على الحياد إلا أن المواطن النمساوي لم يحطم ولم يدمر كل ما يذكره بتاريخه الإمبراطوري وأمجاد تلك القرون الماضية، بالعكس تماما نجده قد حافظ على المباني والقصور وتقاليد الحفلات الراقصة والثروات والمتاحف والحدائق ومختلف التماثيل ووضعها في حدقات عيونه مكتفيا فقط باستبدال ذلك النظام الإقطاعي بآخر اشتراكي يوفر العلاج والتعليم والسكن لكل مواطن بينما يرحب ذات النظام ترحيبا حارا بالارستقراطية والتجارة والعولمة والملكية الحرة ولا يعارض مطلقا الثراء الفردي الملتزم بالقانون.





[fhg hgklsh jjp,g Ygn lvh;. wpdm