الـ «آرت ديكو» يعد من العلامات الباريسية المميزة الغالبة على الهندسة المعمارية والتصميم في العاصمة الفرنسية الأنيقة التي تعتبر مهد هذا النوع من الفن الذي استمد اسمه من معرض الفنون الذي احتضنته المدينة عام 1925 تحت اسم «Exposition internationale des arts decoratifs , industriels et modernes»، ومنه انطلقت موجة تصميم شعبية راجت ما بين عامي 1920 و1939، وكان لها تأثيرها الواضح على العمارة والتصميم الداخلي للمنازل والقصور والموضة والرسم والسينما، وشكلت فنا حديثا غير مسبوق، وبلغت شعبية «آلارت ديكو» ذروتها في الفترة التي سبقت الكساد الاقتصادي في الولايات المتحدة، وفي تلك الفترة بالذات أبدى الناس اهتماما كبيرا بالتصميمات الحديثة والأنيقة.

باريس مدينة الأنوار تزخر بالأماكن السياحية الرائعة، وفي كل مرة تزورها تكتشف فيها أماكن جديدة لم يخطر على بالك زيارتها من قبل، وتمر في زقاق حسبت أنك مررت به في الماضي، والسبب هو أن تلك المدينة مليئة بالمفاجآت التي تسحر الزائر في أي وقت وفي أي زمن يزورها.
هذه المرة زيارتنا كانت مركزة على حقبة «آلارت ديكو» بدءا من مكان الإقامة مرورا بورش تصميم الأثاث والإنارة انتهاء بالمطاعم والحدائق، وهذه الزيارة كانت من وحي الافتتاح الكبير الذي شهدته باريس الشهر الماضي لفندق «برينس دو غال» الأنيق الواقع في المثلث الذهبي للعناوين الباريسية والقريب من أشهر شارع في باريس «الشانزلزيه».
* الإقامة
* فندق «برينس دو غال»
* افتتحت «ستاروود للفنادق والمنتجعات» فندق «أمير ويلز» في شارع جورج الخامس، وهو تابع لعلامة «لاكجيري كولكشن» بعد إقفال دام سنتين، خضع خلالها لعملية ترميم وتجديد كلفت ملايين اليوروهات، وشارك في التصميم أسماء لامعة مثل المصمم الفرنسي العالمي بيير إيف روشون المعروف بحبه لتلك الحقبة الفنية، ووضع المصمم برونو بوريون بصماته على حديقة الفندق التي لا تزال تحافظ على السمات الفنية الأصلية.
شيد مبنى الفندق في أوج النقلة الفنية النوعية عام 1928، لأمير ويلز الذي لم تطأ قدمه المكان، وهو ملاصق لمبنى شيد للملك جورج الخامس، وتحول هو الآخر إلى فندق يحمل اسم الملك، وهو يقع اليوم تحت لواء «فورسيزونز».
بمجرد أن تدخل إلى البهو الرئيس لفندق «برينس دو غال» تفهم أسلوب «آلارت ديكو»، الواضح في أرضية من الفسيفساء وثريات من البرونز والذهب وتناغم الألوان التي تضرب على أوتار العصرية والحداثة، وبالوقت نفسه لها طابعها الكلاسيكي الذي لا يعترف بزمن ولا بتاريخ.
وأجمل ترجمة للفن الجميل تراها في حديقة الفندق «الباتيو» الشهيرة بتصاميم الفسيفساء المذهبة، وهي لا تزال محافظة على شكلها الأصلي منذ عام 1928 عندما صمم الجدران والأرضية «جانتي وبوديه»، وقام المصمم برونو بوريون بترميم هذه الأعمال الرائعة من دون تغييرها، واختار أثاثا متنوعا يمزج ما بين الكلاسيكي والعصري، واللافت هو اختياره العشوائي للأثاث الخارجي، فكانت النتيجة فوضى منظمة وتناقضا فنيا جميلا يبدو وكأنه عرض لأجمل ما صدرته فترة «آلارت ديكو» إلى العالم، وهذه الحديقة هي عنوان لقاء الفرنسيين في الأمسيات الرومانسية الهادئة.
وترى على جدران الحديقة رسومات للفسيفساء تم نقلها إلى جميع غرف وأجنحة الفندق، وكانت النتيجة حمامات مصممة على طريقة الفسيفساء ويدخل فيها اللون الذهبي بشكل كبير، وتم تصميم السجاد أيضا بطريقة تتناغم مع تلك الفترة، وتزين جدران الممرات الداخلية صور فوتوغرافية لفنانات عريقات عايشن تلك الحقبة، من بينهن الفنانة الخالدة بولندية الأصل تامارا دو لمبيكا.
اللافت في الغرف هو المزج ما بين فترة الثلاثينات في قالب حديث، واستطاع المصمم بيير إيف روشون إخفاء معالم العصرية بطريقة ذكية جدا، فترى شاشة التلفزيون المسطحة مخفية وراء واجهة زجاجية فوق مدفأة رخامية للنار، واستفاد من كل زاوية في الغرف والأجنحة، واختار الأبيض والأسود مع صرخة جريئة للألوان في بعض الزوايا، واستعمل الأقمشة والحرير بغزارة، وغلف معظم الجدران بالأقمشة، وفي جناح «لابارتومان باريزيين» المؤلف من طابقين وشرفة واسعة تغازل برج إيفل، يكفي أن ترى ورق الجدران حتى تدرك أنك في فرنسا، فكل الجدران مغلفة برسومات بالأسود والأبيض لباريس القديمة فترة الثلاثينات.
وفي الجناح الذهبي تم استخدام الخشب المذهب واللون الأزرق الملكي بكثرة، وهناك عناية خاصة بأصغر التفاصيل، مثل الحنفيات المطلية بالذهب وأحجار فسيفساء ذهبية أيضا.
أهم ما يميز الفندق هو الشعور بأنك في منزلك، فالمدخل أشبه بصالون المنزل تتوسطه كنبة كبيرة، تشكل ممرا خلفها ترى من خلالها ظهرها الذي تم تصميمه على شكل مكتبة تزينها كتب عن فن «آلارت ديكو» ومزهريات تحمل نفس الحقبة الفنية، وهناك مكتب، أما بالنسبة للمصعد فهو ما يتصدر الجدار الرئيسي في البهو، ولا يزال يحافظ على شكله القديم صغير الحجم مع واجهة من الحديد الداكن.
ويقول مدير الفندق السويسري سيمون روسكوني لـ«الشرق الأوسط» إن الفندق بني في الأساس ليكون منزلا خاصا عائليا، ويسعى أصحاب الفندق اليوم (عائلة سعودية معروفة) إلى الحفاظ على هذا الجو من الحميمية والألفة.
وما قاله روسكوني يترجم في رؤيته في أي وقت من الأوقات في البهو وفي الحديقة والمطعم والبار، وتراه يتسامر مع الزوار ويلقي التحية على الجميع، ويتابع روسكوني هنا ويقول: «مكاني بين زوار الفندق وليس في المكتب بعيدا عن الأنظار».
وبحسب روسكوني، فندق «برينس دو غال» من فئة خاصة جدا ولا يمكن مقارنته مع أي فندق آخر، فهو يتميز بموقع ممتاز، ويحكي قصة أشهر نوع من الفنون التي ابتكرتها فرنسا «آلارت ديكو» وهذا ما استطاع الفندق الحفاظ عليه وتقديمه في قالب عصري بعد إقفال عامين وعملية ترميم كلفت الملايين.

* ورشة «دوليل» للقطع الفنية Maison Delisle
* المحطة الفنية الرائعة التي تعرفك على فن «آلارت ديكو» لا يمكن أن تكون إلا في ورشة «دوليل» المختصمة بتصميم وتصنيع القطع الفنية من مصابيح وثريات من البرونز والحديد والفضة على طريقة «آلارت ديكو»، وهذه الورشة تملكها عائلة دوليل الفرنسية، وتعاقب على العمل فيها 4 أجيال منذ عام 1890. ويشتهر «ميزون دوليل» بتصميماته الفريدة ويشرح جان دوليل أصغر أفراد العائلة سنا، أن ورشة العمل التابعة لهم مقرها في ضواحي باريس، وهي مقصد محبي هذا الفن الرائع والزبائن الباحثين عن التفرد في تصاميم لن يروها في أي منزل أو قصر آخر ومصممي ديكور عالميين يستعينون بالمصممين في الورشة لتنفيذ أجمل التصميمات الراقية. ويقول دوليل إن العرب يملكون ذوقا راقيا في التصميم ويرغبون دائما في تثقيف أنفسهم فنيا، لذا تنظم الشركة لهم رحلات خاصة إلى الورشة، ومن ثم إلى صالة العرض في وسط باريس للتعرف أكثر إلى تلك الحقبة الفنية، وينفذ كل تصميم على حدة، وفي الكثير من الأحيان تتعهد الشركة بعدم إعادة التصميم مرة أخرى نزولا عند رغبة الزبون.
ومن بين التصاميم الرائعة التي رأيناها في صالة العرض، ثريات عملاقة من الكريستال يدخل فيها البرونز والزجاج الملتوي وقطع أثاث من البرونز الخالص صممت بأشكال مختلفة لا يمكن وصفها إلا بالروعة الحقيقية.

* ورشة مانويلا بول كافالييه
* إذا كنت من محبي الذهب فلا بد أن تزور ورشة الفنانة الفرنسية مانويلا بول كافالييه، وسوف تفاجأ بصغر حجمها، وسيكون من الصعب أن تصدقك بأن كل قطع الأثاث المذهبة في فندق «برينس دو غال» وفي مشاريع ضخمة أخرى في باريس، ولدت من رحم تلك المساحة الضيقة.
مانويلا عاشت في إيطاليا لمدة 10 سنوات صقلت خلالها هوايتها وموهبتها التي جعلتها بعد عودتها إلى وطنها الأم اسما لامعا في الأوساط الفنية، فهي تعمل بمادة الذهب وتغلف الخشب به، وباستطاعة أناملها تحويل جذع شجر ميت إلى قطعة فنية فريدة.
الورشة مفتوحة لجميع الزوار، لأن مانويلا تشعر بالفرح وهي تتكلم عن حبها لهذه المهنة، وها هي اليوم منغمسة بمشروع كبير لصالح «قطر فاونديشن»، تقوم بتصميم اللوحات المذهبة للمعرض. ومانويلا مسؤولة عن تصميم معظم الأثاث في الجناح الذهبي في فندق «برينس دو غال» ومن أشهر القطع التي صممتها، مسند السرير العملاق المصنوع من الخشب والذهب.

* «بيناكوتيك دو باري» Pinacotheque de paris عندما تذكر «آلارت ديكو» لا بد أن تأتي على ذكر ملكة هذا الفن تامارا دو ليمبيكا، وإذا كنت من محبي التعرف على حياة الفنانة بولندية الأصل فلا بد من زيارة معرض «بيناكوتيك» في شارع فينيون، وهو معرض شامل لأعمال الفنانة المثيرة للجدل نسبة لحياتها الصاخبة التي عايشت خلالها الطبقة المخملية التي كانت تنتمي إليها في باريس وروسيا، وفي المعرض مجموعة كبيرة من لوحاتها الجميلة التي ركزت في غالبها على الوجوه، بنسبة ألوان محدودة، إضافة إلى بعض اللوحات التي كانت تصرخ جنونا، وأخرى بسيطة تنقل صورة الفاكهة والخضار على طريقة «آلارت ديكو».

* الأكل في أجواء الفن
* مطعم «برونييه» Restaurant Prunier
* في جادة فيكتور هوغو، الذي يعتبر الأطول في باريس، يقع مطعم «برونييه» المتخصص بأطباق السمك وثمار البحر والكافيار، أسس عام 1872 وتميز في عام 1925 بكونه المطعم الوحيد في العالم الذي ينتج الكافيار الخاص به. المطعم صمم على يد المهندس لوي إيبوليت بوالو ومصمم الديكور ليون كاريير عام 1925، وديكوراته تترجم حرفيا حقبة «آلارت ديكو» ولا يزال لغاية اليوم يحافظ على النمط نفسه، ويمتد على طابقين، وتبدأ معالم الفن من مدخله المزين بالفسيفساء وتماثيل البرونز التي تحاكي ما يعرف بالـ«بيل إبيوك»، وإلى جانب ديكورات المطعم الجميلة والتقليدية، يقدم المطبخ ألذ الأطباق الفرنسية التي تشتم فيها رائحة البحر المتوسط.
* مطعم «لا كلوزري دي ليلا» La Closerie Des Lilas
* يقع عند بولفار مونبارناس، ومنذ افتتاحه في عام 1847 أصبح ملتقى الباريسيين من الطبقة البورجوازية والفنانين. أسماء لامعة في عالم الكتابة والأدب والفن دخلت عبر مدخله الذي تظلله الأشجار ويتميز بجلسة فرنسية حقيقية بالخارج في أجواء تقليدية في الداخل، من بين زبائنه في القرن الماضي إيميل زولا وبول سيزان وأندريه بريتون وجان بول سارتر، وامتدت شهرة المطعم لتطال أسماء لامعة في الولايات المتحدة، مثل الكاتب إرنست همنغواي وسكوت فيتزجيرالد الذي لجأ إلى باريس للتمتع بثقافتها وأجوائها وكان يقيم في محيط منطقة مونبارناس وكان من الزبائن الدائمين للمطعم.
ويقدم المطعم أطباقا فرنسية من بينها طبق همنغواي المفضل.

* مطعم «لا سين» La Scene
* الطاهية الرئيسة في المطعم هي الشابة ستيفاني لو كيليك، الفائزة بأحد أهم برامج مسابقات الطهي في فرنسا، تقدم في المطعم الواقع في فندق «برينس دو غال» ألذ الأطباق الفرنسية العصرية. يتميز المطعم بديكوراته العصرية والكلاسيكية في الوقت نفسه، وبمطبخه المفتوح المزين بالموزاييك وقطع الزجاج المتدلي من السقف بأشكال فنية متناغمة.
ويطل المطعم على «الباتيو» أو الحديقة التي تعتبر العنوان الحقيقي لـ«آلارت ديكو».
* «كافيه دي فلور» Café De Flore
* يشتهر المقهى الذي يعتبر من أقرب المقاهي إلى قلوب العرب، إن كان في باريس أو في بيروت، بديكوراته المنمقة واللون الأحمر والخشب الداكن، وهو تابع لمطعم «لا كلوزري دي ليلا». افتتح عام 1887 ويستقطب منذ ذلك الحين الفنانين والرسامين والكتاب، واليوم هو عنوان الذواقة والتواقين للفن الجميل في قلب سان جيرمين دي بري.

* حديقة استوائية تحاكي الفن
* تقع حديقة «غاردن دي بلانت» بالقرب من شارع الشانزلزيه، تزينها أحجار الفسيفساء، أسست عام 1930 لتكون شاهدا على فن «آلارت ديكو» وفيها نوافير ماء وزهور مائية وشتول استوائية وقناطر مخفية تتجول بين خفاياها لتنسيك هموم الدنيا وتعيدك إلى حقبة الزمن الجميل.



juvt Ygn fhvds ugn 'vdrm hgJ «Nvj ]d;,»>> td eghem Hdhl